المسألة الدّينيّة من وجهة نظر حزب تيناست

من أبرز الرؤى و المسائل التي يتطرّق لها حزب تيناست كحزب ذو خلفيّة امازيغية مرتبطة بالمفاهيم الكونية لحقوق الانسان بعيدا عن العرقيّة المقيتة و المفاهيم المراهقة في الهوية و الانتماء هي المسألة الدينيّة و حرية المعتقد كأحد الحقوق، التي اقرتها العديد من الاتفاقات و المعاهدات الدولية و التي نؤمن بها و نلتزم بضمانها لكلّ افراد الشعب على اختلاف معتقداتهم دون تغليب طائفة دينيّة على اخرى، من هذا المنطلق فاننا نرى ان القاعدة الاساسية في التعامل بين الدولة و المجتمع هي المواطنة بما تعنيه التزامات الطرفين و حقوق كلاهما لدى الاخر.

فالدّين هو اعتقاد او ايمان شخص او مجموعة من الاشخاص بجملة من المعتقدات و التعاليم يصحب ذلك اداء جملة من الطقوس الخاصّة بتلك المعتقدات، هذا التعريف الذّي نتبنّاه في حزبنا و من منطلق ذلك فان اعتقاد ايّ شخص او مجموعة يلزمها لوحدها في التعاطي معه و لا يلزم الاخرين المختلفين معه في المعتقد او دون معتقد ديني. اعتبارا لكون الدولة التي نسعى لبنائها لا تتبنّى ايّ دين رسمي لها انسجاما اولا مع طبيعة المواطنة كمفهوم سياسي و فكري متحرّر من الروابط العقائديّة الدينيّة، و ثانيا انسجاما مع كون الدولة شخص معنوي تتكون من المؤسسات و الادارات و اجهزة السلطة التي تضطلع بتقديم الخدمات العامة لكلّ المواطنين دون التفرقة بينهم مهما كان الاساس و ثالثا حياد الدولة عن الدّين و عدم الزجّ بها في مثل هذه الاختلافات يحميها من الاستخدام كأداة لقمع المختلفين من الدّيانات الاخرى مستخدمة العنف الشرعي الذّي تنفرد به متى ما وصل الى السلطة فيها احد المتدينين.

اما رابعا فهو انسجامنا مع المعاهدات الدولية التي أكّدنا التزامنا بها و التّي تلزم الدول الأعضاء فيها بضمان حرية المعتقد لكلّ مكونات مجتمعاتها، و خامسا نعتبر ان المعتقد مرتبط بضمير المؤمن به لوحده وهي مساحة لا يسع الدولة الرقابة عليها او تحديدها بقوانين بل هي الخصوصية الفردية التي نؤمن بانّ كلّ فرد له الحقّ فيها، اذ ان الدولة ليست رقيب على ضمائر الافراد بل يقتصر دورها على تنظيم السلوكات المادية التي تصدر عنه، و سادسا انّه و ضمن المسألة الدّينية لا يمكن الحديث بمنطق الاغلبيّة او الاقليّة لاكتساب حقوق تمييزية داخل المجتمع تكرّس التفوّق التشريعي او السياسي لطائفة دينيّة على حساب أخرى او تلزم الدولة كجهاز عمومي بالخروج عن حيادها و تأدية دورها المناط بعهدتها و الانحياز لطائفة دينيّة على حساب البقيّة من الديانات او الغير متدينين لأنّ في ذلك مسّ من الاسس المتينة التي تقوم عليها الدولة نفسها وهي العدالة و المساواة و الحريّة كمبادئ متجذّرّة في الممارسة الديمقراطيّة، فلا يمكن ان تتحوّل الدولة الى الطائفيّة تحت مسميّات الاغلبية الدينية لأنّه حينها سيقع استخدام كلّ اجهزة الدولة بنفس احتكاري لتلك الطائفة و يعيش فيها البقيّة على وجه الفضل، و هذا امر غير مقبول بما فيه من ازدراء مبطّن للمختلفين في الديانة و تكريس للعنصرية و التمييز على اساس المعتقد و الدّين لذا لا يمكن القبول بأي وجه لمثل هذا التوجّه الذي يستعمل المغالطات اللفظيّة السياسية و يحشرها في المسائل الدينية كمسألة الاغلبية و الاقلية التي كنّا بصدد شرحها على اعتبار ان هذه الالفاظ تستعمل عند الحديث عن النصاب السياسي و ليس غير. لانّه لا يمكن ان نسمع عن انتخابات ما يكون الاقتراع فيها على الاساس الديني و تحظى فيها طائفة دينية ما بالحكم حسب معتقدها على حساب الاخرين.

ثمّ ان التجربة الانسانيّة التي ننهل منها مبادئنا و قيمنا في العمل للصالح العام و الالتزام بها ، تعطينا دروسا تاريخية مهمّة عن البطش و التوحّش الذي عانت منه الشعوب عند استخدام الدولة لتكريس العقائد و ارغام الناس على تطبيقها و التي اسالت الدّماء طوال فترة حكمها في الماضي و التي لازلنا الى اليوم نرى بعض الدول متشبثّة بتلك النظم التي جلبت الوبال لشعوبها و رابضت به في غياهب الجهل و التخلّف  مانعة ايّاه من التقدّم و نيل الحقوق و نرى ذلك بوضوح في الانظمة الحاكمة اليوم في منطقة خليج النفط بين قارتي اسيا و افريقيا و نحن متيقينين ان شعوب تلك المنطقة ستحرّر لا محالة.

كما انّه من اوكد قناعاتنا ان انفراد طائفة دينية بالحكم سيجعلها تسيء استخدام سلطتها تجاه الاخرين المختلفين معها و ستكرّس انشقاقا اجتماعيا يفصل بين افراد المجتمع الواحد سندنا في ذلك ما تعانيه عديد الطوائف الدينية الى اليوم من اضطهاد نتيجة هذا التبنّي الغير سويّ لمفهوم الاغلبية و الاقلية.

من كلّ هذه المنطلقات و من منطلق فلسفي حداثي و معاصر انطلق في ترسيخ القيمة الرمزية للانسان في العالم والذي كان حجر الاساس في بلورة مفاهيم و مبادئ حقوق الانسان في بعدها الكوني و الانساني نمتنع في حزبنا عن دمج المسألة الدّينية كمعطى معنوي فردي بمفهوم الدولة و السلطة و الحكم كمفاهيم سياسية معنية بادارة الشأن العام للمواطنين دون اي اعتبار لاختلافهم في الدّين او غيره، و هذا عكس ما نراه اليوم في تونس اذ ان الدولة و بموجب الدستور الحالي و القوانين التي قيد التنفيذ تمارس التمييز و العنصرية بين المواطنين على اساس الدّين و اللغة و الجنس و اللون و الانتماء الجهوي و الحزبي و هذا ليس مجرّد كيل للاتهامات او القاء كلام على عواهله في تراكيب انشائيّة بل ان لنا في كلّ اتهام حجّة متى طالب اصحابها ذلك.

وليفهم الجميع بأنّنا انصار الدولة العلمانية التي نطمح الى تحقيقها و بنائها اذا ما ساندنا شعبنا في الوصول الى السلطة بالطرق السلمية لتغيير الدستور الحالي الذي يكرّس التمييز بين المواطنين في كلّ تفاصيله انطلاقا من التوطئة وصولا الى اخر فصل فيه لذلك نحن منكبّون على صياغة دستور جديد لتونس يتضمّن ضمان حرية المعتقد و حياد الدولة و الادارة عنه.

و ما دمنا الان في وضعنا الحالي في المعارضة الى جانب القوى الحيّة و النشطاء الذين يطالبون بالحريّة و منع التمييز فسنظلّ نطالب بتطهير القوانين الوطنيّة من كلّ الخلفيات الدينية و خاصّة الاسلامية التي تسجّل حضورها القويّ في الجباية و الاحوال الشخصيّة و المسؤوليات السياسية و القضائيّة ، لكن وجب التوضيح هنا انّنا بمعارضتنا للخلفيّة الاسلاميّة للقوانين و تنقية القانون من كلّ مظاهر الانحياز الدّيني انّنا نعارض الاسلام او نكنّ كرها للمسلمين بل على العكس نحن نواجه التخلّف الحضاري و الجهل المقدّس الذّي التصق بالديانات و نحاول ان نجعل من الكلّ مواطنين متساوون في الحقوق والواجبات على غرار ما يتمتع به المسلمون في بلدان الغرب و شرق اسيا اذ لا يقع التعامل معه على اسس عقائديّة و اصبحوا حاملي هويات غربيّة دون ان يكون ضحيّة التمييز القانوني هذا نتيجة ان تلك الدول لا تمزج الدّين بالدولة و تضمن للجميع حرية ضمائرهم.

اذا فنحن في حزبنا نحترم كل معتقدات شعبنا في تونس من المتدينين و غير المتدينين و نناضل معهم من اجل نيل حقوقهم في اداء شعائرهم الدّينيّة او ممارسة حريّتهم في عدم الالتزام بالديانات شريطة عدم المسّ بالاخر الذي يرجع للدولة تقدير ذلك ضمن قضاء نزيه غير منحاز و قوانين وضعية دقيقة في هذه المسألة.

فلا ينبغي على المختلفين معنا في الرأي ان يفهموا ان ما نطالب به هو نبذ لدين ما او استنقاص من شأنه بل ان ما نقوم به هو سعي وطني لايجاد قانون لادارة الاختلاف الديني بيننا في تونس و ان حسن ادارة هذا الاختلاف هو جزء من السعي النضالي من اجل توحيدنا كمجتمع على اساس المواطنة الكاملة لنا جميعا و توحيد امالنا في نسج مستقبل افضل لنا جميعا اذا فانّ المسألة الدينية من وجهة نظرنا مسألة تحتاج الى الشجاعة في الحسم للمضيّ قدما فيما هو اهمّ لشعبنا الذّي طال انتظاره للرقيّ و تعطّلت مسيرة التنمية فيه و الوعي المستنير نتيجة قوى سياسية فاسدة من ناحية لم تكن تؤمن بنضج مجتمعنا و تطلعاته الى الافضل و من ناحية اخرى وجود تيارات رجعيّة تكرّس ثقافة الجهل و التخلّف مستخدمة الدين لتضمن لنفسها الريادة  و القيادة على البسطاء من شعبنا عبر نشر الجهل المقدّس في الكتاتيب و المدارس القرانيّة و الجامعات الديّنية تحت غطاء ان الدّين يريد ذلك.من أجل كلّ ذلك سيكون احد الفصول في الدستور الذّي سنقترحه على الشعب في مسألة الدّين هذا نصّه:

حريّة الدّين مكفولة للجميع و لا تتلقّى ايّ منظّمة دينيّة ايّة امتيازات من الدولة و لا تمارس ايّ سلطة سياسيّة.

لا يجبر ايّ شخص على المشاركة في الاعمال و الاحتفالات او الطقوس او الممارسات الدينية.

تمتنع الدولة و اجهزتها عن التعليم الدّيني او ايّة فعاليّة دينيّة اخرة.

هذا هو ما سنقوم به لضمان حقّ الجميع في ضميره و معتقده و ضمان حياد الدولة التي هي ملك للجميع جون ايّ تمييز بين المواطنين.

عن نائب رئيس الحزب

سمير النفزي،

اليابان في 27 اوت 2018

شاهد أيضاً

من هم المتوحشون؟

لعلّ ما وصلت إليه المدنيّة اليوم بمفهومها الحضاري الاِيجابي و ما ساهمت فيه كمسار فكري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *